محمد سعيد رمضان البوطي

82

فقه السيرة ( البوطي )

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 1 ) حم ( 1 ) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 2 ) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 3 ) بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ( 4 ) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ ( 5 ) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ( 6 ) [ فصلت : 1 - 6 ] . ثم مضى رسول اللّه في القراءة وعتبة يسمع حتى وصل إلى قوله تعالى : فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ ( 31 ) [ فصلت : 13 ] فأمسك عتبة بقيه وناشده الرحم أن يكف عن القراءة ، وذلك خوفا مما تضمنتة الآية من تهديد . ثم عاد عتبة إلى أصحابه فلما جلس بينهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال : ورائي إني سمعت قولا ما سمعت بمثله قط واللّه ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة . يا معشر قريش : أطيعوني وخلّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو اللّه ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم . قالوا : سحرك واللّه يا أبا الوليد بلسانه ، قال : هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم . وروى الطبري وابن كثير وغيرهما أن نفرا من المشركين فيهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل جاؤوا فعرضوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يعطوه من المال حتى يكون أغناهم وأن يزوجوه أجمل أبكارهم على أن يترك شتم آلهتهم وتسفيه عاداتهم ، فلما رفض إلا الدعوة إلى الحق الذي بعث به ، قالوا : فتعبد آلهتنا يوما ونعبد إلهك يوما ، فرفض ذلك أيضا ونزل تعليقا على ذلك قوله تعالى : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ( 1 ) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ ( 2 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 3 ) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ ( 4 ) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ ( 5 ) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ ( 6 ) [ الكافرون : 1 - 6 ] . ثم إن أشراف قريش عادوا فكرروا المحاولة التي قام بها عتبة بن ربيعة فذهبوا إليه مجتمعين ، وعرضوا عليه الزعامة والمال ، وعرضوا عليه الطب إن كان هذا الذي يأتيه رئيّا من الجان ، فقال لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ، ولكن اللّه بعثني إليكم رسولا ، وأنزل عليّ كتابا وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردّوه علي أصبر لأمر اللّه حتى يحكم اللّه بيني وبينكم » .